3- قائد جديد

 

(3)

قائد جديد

 

 

كانت أيام مناحة رجل الله موسى قد انتهت وكان شعب إسرائيل يقف عند رأس الفسجة وأعينهم على رجلين كبيرين في السن ويبلغان من العمر أكثر من ثمانين عاماً.

كانوا يعرفون  أن  أمامهم  طريقاً  طويلاً  فيه  سوف يتبعون  هذين  الرجلين  يشوع[1]  بن  نون وكالب[2] بن يفنه

أحد الرجلين رجل صلب عنيد ، عيناه ثاقبتان ويجيد القتال ويعشق التحدي … لا يعرف الخوف طريقه إلي قلبه … انه بالحق رجل حرب … هو كالب بن يفنه .

أما الرجل الآخر فتاريخه ملئ بالانتصارات … إنه خادم موسى … لذلك دربه موسى كيف يدخل الحرب … وكيف يثابر ويجاهد حتى ينتصر. فانتصر على عماليق عندما كانت عيونه على موسى ويداه على سلاحه … ولكن ها هو موسى  قد  رحل … وعليه أن يحمل المسئولية وحده لذلك ذاب قلبه خوفاً من تلك المسئولية … إنه يشوع بن نون.

كان  كالب  يرأس  سبط  يهوذا[3]  وقد  اعتاد  على  تحمل  المسئولية  منذ أن أرسل كجاسوس  منذ  أربعين  عاماً  كاملة  وقف  يقول  أمام  الشعب "لنحارب عماليق لأننا سننتصر" سفر العدد14: 6-9"

كانت قوة كالب فخراً ليهوذا … لذلك أحبته عشيرته    وساروا  وراءه  واستمعوا إلى مشورته.

أما يشوع فقد عرف أنه سيحمل المسئولية حتى قبل أن يموت موسى وعلى الرغم من أنه كبير سبط أفرايم إلا أنه لم يعتد إلا أن يسير وراء موسى، يستمع إليه ويطيعه … ويستمد ثقته وقوته منه … فأين موسى إذن ؟؟

أمام الشعب كان يقف أكبر اثنين سناً .. يشوع  وكالب اللذان كانا أكبر من أي شخص بخمسة وعشرين سنة علي الأقل .. كالب الأكبر ، ولكنه يقف وراء صديقه المخلص يشوع … يشجعه ويدفعه لتحمل المسئولية .

ولأن موسى وضع يده علي يشوع مباركاً إياه أن يمتلئ  حكمة  وفهماً "سفر التثنية3: 9"  وقف الشعب كله خلف يشوع يشجعه … إذ كانت عصا القيادة في يده .

***

أما يشوع .. فذاب قلبه خوفاً .. فمن هو يشوع ذلك الخادم الذي اعتاد  أن يكون خادماً مطيعا لرجل الله موسى … من هو يشوع ليكون قائدا حربيا ليحرر الأرض من عمالقتها .

قديما عندما كان يشوع جاسوساً لإسرائيل قال لنقم ونعبر .. ولكنه كان في  كنف سيده موسى ملتصقاً به .. أما الآن فهو وحده ….هو لم يعتد أن تكون الأمور هكذا  .. لذلك كان يحتاج إلى أكثر من هذا الأمر ( قم واعبر ) كان يحتاج إلى القدرة على تنفيذه .

في الوقت الذي كان يشوع في محضر الرب كانت خيام بنى إسرائيل منتصبة على قمة رأس الفسجة ومن حول الخيام كان يقف الشعب كل في أفكاره… وعلى قمة الرابية كان يقف كالب  بن يفنه… تعبر عيناه غابات شطيم و نهر الأردن… إلى المدينة العظيمة أريحا[4] كان يقف يرقب باهتمام بالغ ومن خلفه كان يقف شاباً يافعاً قوي البنية اسمه عثنئيل[5] الذي كان يداعب طفلة كالب الصغيرة عكسة[6] حينما سمع كالب وهو يفكر بصوت مسموع .

-         لماذا فعلوا هكذا ؟

-         عمن تتكلم يا عماه

نظر كالب ليجد الفتى عثنئيل يحمل عكسة طفلة كالب على كتفيه . وهي تعبث بشعره الطويل المسترسل على كتفيه وهي تضحك بسعادة  فابتسم وقال له …

-         تعال وانظر

نظر عثنئيل قائلاً

-         أين ؟

-         أريحا

-         لا يوجد شيء غير  عادي  .. قوافل  تجارية  تدخل المدينة مثل أي يوم آخر

-    ليس مثل أي يوم .. لقد أغلقوا الأسوار في الأيام الماضية وملئوا حصونهم جنوداً وسلاحاً … أما اليوم فقد عادوا ليفتحوها  من جديد .

-         وماذا في ذلك ؟

قال كالب مفكراً

-         لماذا أغلقوها ورفضوا إدخال قوافل التجارة في اليومين الماضيين ؟

-         ربما عرفوا أننا قادمون

-    هذا ما ظننته … لقد كان نظر جنودهم يتجه إلي أعلي  بين  الحين و الآخر… وأرسلوا بعض جواسيسهم الذين رأيتهم بنفسي في غابات  شطيم… ولكن الذي أعجب له هو ما الذي جعلهم يفتحون تلك الأسوار من  جديد رغم أننا لم نتحرك من مكاننا طوال الأربعين يوما الماضية ؟!!

ابتسم عثنئيل وقال :

-         ربما استهزأو بنا .. ترى .. من منا الأقوى يا عماه ؟!

نظر إليه كالب في استخفاف وقال

-         ما رأيك أنت؟

-    هم  يملكون  الأسلحة  المختلفة…  سيوف  حديدية  ورماح  وسهام وثياب حديدية واقية… أجسامهم تبدوا ضخمة من بعيد. أما  نحن فلا نملك  من السلاح إلا العصي … إننا سوف نبدو كالجراد أمامهم

نظر إليه كالب في غيظ والشرر يتطاير منه … وقال له غاضباً

-    اسكت…  منذ أربعين عاماً سمعت  كلاماً  مشابهاً لهذا " سفر العدد14: 6-9"  ونتيجة  لذلك  ذقنا سنوات من التيه عمرها أربعين عاماً ثمناً لتحليلك  الحربي هذا .

أسرع عثنئيل يقول

-    هون عليك يا سيدي .. إنني  لم  أقصد  أبداً أن أكون انهزامياً ولكنك طلبت تحليلاً للحالتين …وما اظنني  أخطأت في هذا التحليل .

أخفى كالب وجهه بين يديه يحاول استعادة هدوءه ثم قال ببطء شديد ..

-         أجل .. إن ما قلته صحيح حسب الظاهر

-         ماذا تقصد بكلمة حسب الظاهر ؟

-    اقصد أن مصر وفرعونها كانت أقوى بكثير من أريحا ورغم هذا خرجنا من أرضها رغم أنفهم … إننا أيها الصبي  نمتلك  سلاحاً  لا  تعرف  أنت قيمته …لو استخدمناه لن تقف قوة أمامنا … به انتصرنا على  المصريين

-         أتقصد يا عماه النبي موسى ؟… لكنه لم يعد معنا الآن بل إننا لا نعرف شيئا عن قائدنا الجديد …

ثم  استطرد بصوت هامس حتى لا يسمعه كالب

-         لن يكون على أي حال مثل النبي موسى

ولكن كالب لم يكن يهتم بكلامه الآن فقد عاد يفكر في أريحا  و يتأملها  ثم  عاد يحدث نفسه من جديد

-    لن نحكم عليهم من هذا البعد … اليوم سوف ننزل إلى غابات  شطيم  و من هناك نحتاج أن نرسل رجلاً أو اثنين لكي يدخلوا في وسطهم فيتجسسوا لنا … نحتاج أن نعرفهم أكثر…  ونعرف مقدار تأثيرنا عليهم .

قال له عثنئيل وهو لا يزال يحمل عكسة علي كتفيه

-         نحتاج أن نعرف عن أنفسنا أكثر…  هل يستطيع قائدنا الحالي شيئا  بعد أن مات سيده موسى ؟

نظر أليه كالب وقال :

-    قائدنا الحالي هو يهوه[7] إله إسرائيل يا عثنئيل…  إنه أيضا سلاحنا الحقيقي الذي به انتصرنا في كل معاركنا السابقة، وهو الذي سيحارب عنا معاركنا المقبلة… ولن نخطئ نفس الخطأ الذي وقع فيه جيل  كنت  أنتمي إليه… ولم يعش منه أحد سوى يشوع وأنا.

استدرك عثنئيل كلامه وقال :

-    أقصد يا سيدي أن هناك شخص أفضل من  يشوع يقود الجماعة… انه أنت يا عمي … أنت الأكبر سنا وأنت الوحيد الباقي من آباءنا  الذين خرجوا من أرض مصر

-         وماذا يعيب يشوع ؟  

كان عثنئيل يعرف عمه  ومدى حبه  ليشوع  وعرف  من نغمة صوته أنه بدأ يفقد صبره فتراجع كعادته سريعاً وهو يقول :

-    هو شخص  رائع ولا شك… ولكنني أقصد أنك الأجدر منه على قيادة الشعب…  فأنت رجل حرب…  لا تخاف شيئاً ، أما هو فخادم النبي موسى ولا يفهم لغة الحروب ، إنه لا يفهم إلا طاعة سيده … إنه خادم لا يفهم إلا الطاعة.

نظر إليه كالب طويلا… حتى أثار خوف عثنئيل… وبدا له أنه سوف يخرج بزوبعة عاصفة…  إلا انه فوجئ بصوت عميق يخرج من كالب وهو يقول له بمنتهى الهدوء

- إذاً فهو الأجدر بالقيادة ولا شك…  آباؤك  اعتمدوا علي قوتهم الشخصية فكانوا من الخاسرين … ونتيجة لعدم طاعة الله فقدوا أرواحهم في البرية… و يشوع كما تقول لا يعرف  ولا يتخذ سوى ذلك السلاح … طاعة سيده… من يقدر عليه إذن  ؟؟؟

***

في هذا الوقت كان يشوع لا يزال في محضر الرب جاثياً .. ينسحق من الخوف من تلك المسئولية التي وضعها الله عليه .. وكان في هذا الوقت يستمع إلى قول الرب

[ لا أهملك .. لا أتركك

تشدد و تشجع

لأنك أنت تقسم الأرض لهذا الشعب  التي حلفت  لآبائي أن أعطيها

إنما كن متشددا وتشجع جدا لكي تتحفظ للعمل حسب كل شريعة التي أمرك بها موسى ... لا تبرح هذه الشريعة من فمك

… أما أمرتك ؟

…تشدد وتشجع ... لا ترهب ولا ترتعب

لان الرب إلهك معك حيثما تذهب " سفر يشوع 1: 3-9"

وخرج من محضر الرب يشوع جديداً لا يعرف  للخوف معني .. وبداخله ثقة لا حدود لها بعد سماعه وعود الرب له .. هذا عن يشوع

فماذا عن الشعب !!؟

***

 

يشوع خادم لموسى النبي... يقول العلامة أوريجانوس " أن مفهوم كلمة خادم هنا ليس كتابع له أو كمن هو أقل منه، وإنما كمعين وحامي له…  وهنا يشوع رمز للسيد المسيح الذي نجح في الوصول بنا إلى أرض الموعد بعد أن فشل الناموس (موسى ممثلاً عنه) في تحقيق ذلك. لذلك فسفر يشوع هو السفر الممثل للعهد الجديد الذي فيه نتعلم الكثير من الأمور التي من خلالها نستطيع أن نصل إلى أرض الموعد بواسطة مخلصنا يسوع المسيح. وأول تعليم هنا هو الطاعة الكاملة والخضوع الكامل لله.



[1] يشوع : بهوة (اسم الله) خلاص

[2] كالب : كلب

[3] سبط : عشيرة أو عائلة . ويهوذا بمعني أحمد الله

[4] أريحا : رائحة عطرة . وتسمي أيضا مدينة النخيل .

[5] عثنئيل : الله قوة

[6] عكسة : خلخال [ حليه كانت تستخدمها النساء  في تزيين القدم]

[7] يهوه : اسم الله في العبادة الإسرائيلية

[8] عن كتاب تفسير سفر يشوع للقمص تادرس يعقوب ملطي ص 10-11 (بتصرف من المؤلف)



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر