عم صابر
كتبهاemad hanna ، في 28 أغسطس 2008 الساعة: 10:38 ص
عم صابر:

اقتربت الساعة من السادسة صباحا , ووسط الصمت سمع وقع أقدام ثقيلة لرجل نشيط يسير في طريقه الي محطة القطار يهمهم بكلمات أشبه بترنيمة جميلة وإن كان بصوت من الصعب أن يكون خافتا أو جميلا .
يدخل الرجل المحطة بجلبابه الطويل والبالطو العتيق الذي يحميه من برد الشتاء .. يصبح علي كل من في المحطة بابتسامة كبيرة . ويجد قطار الريف علي رصيف المحطة الممتلئ بالموظفين الذاهبين الي عملهم فيصعد الي القطار ويتفقد عرباته . وبوجهه الضاحك يصافح الكمساري
- صباح الخير يا عم أحمد
- صباح الورد يا عم صابر .. ما الذي أتي بك في هذا اليوم .
يضحك عم صابر ويقول
- الوردية
- حتى اليوم يا عم صابر ؟!
و يضحك عم صابر ويستمر في طريقه يختبر ويتفقد العربات .
***
وعم صابر يعمل مخبر سري .. وعلي الرغم من كونه سري إلا أن الجميع في القطار بما فيهم الركاب يعرفون ذلك , فطوال ثلاثين عاما يستيقظ في الصباح وبنفس النشاط يلبس جلبابه النظيف دائما ويضع عليه البالطوا القديم في الشتاء ويلبس طربوشا تركيا عفي عليه الزمن ويذهب الي المحطة يركب قطار الريف الذي يتحرك من بني سويف يوميا في تمام الساعة السادسة يتفقد القطار وركابه ثم يجلس مكانه الي أن تأني محطة المنيا التي هي نهاية الخط بالنسبة لقطار الريف فينزل من القطار ويرقب نزول الركاب الي أن يتجه القطار الي مخزنه ويتجه هو بدوره الي شرطة المحطة بالمنيا يعطي التمام , ويقول للضابط المناوب
- كل شئ نمام يافندم
لا يذكر عم صابر حدوث أي مشاكل طوال الثلاثين عاما التي مضت آلا من بعض المشاجرات البسيطة التي سرعان ما يتدخل لفضها .. ونظرا لضخامة جسمه فسرعان ما تنفض هذه المشاجرات بسهولة , وذلك غالبا للخوف منه . فعم صابر له وجه جامد مخيف بالإضافة إلي جسمه الضخم . ولو يعرف المتشاجرون أن له قلب طفل به عرف المسيح وسلم حياته له منذ سنوات عديدة وانه لا يستطيع أن يؤذي أحدا ربما لكان من الصعب أن تنفض المشاكل .
***
في ذلك الوقت لم يتوقع أحد حضور عم صابر حتى زوجته عندما رأته يلبس ملابسه في الصباح سألته
- أين تذهب يا صابر !
- كالمعتاد .. إلي عملي
- في هذا اليوم !!
- وما الغريب في هذا . إنني سأكون هنا في تمام الساعة الثالثة , والعرس في السابعة .. ولا أعمل أي شئ خلال هذا الوقت .
- ولكنه إكليل أبنك يا صابر .. ربما احتاج إلي شئ
- لن يحتاج إلي شئ بمشيئة الله . وهي فرصة أيضا لكي أؤكد علي أحمد الكمساري لكي يحضر ويشاركنا فرحنا .
نظرت إليه بعدم اقتناع ثم عادت إلي مطبخها تعد الطعام هي وجاراتها وصديقاتها في الكنيسة استعدادا لعرس ابنها البكر يوئيل .
***
مضت رحلة الذهاب إلي المنيا بسلام . وفي تمام الساعة الثانية عشر انطلق القطار من المنيا عائدا إلي بني سويف . أخذ عم صابر كعادته يتفقد القطار ويسلم علي الجميع . فغالبا ذلك القطار يعرف ركابه بعضهم بعضا بسبب تكرار استخدامه .. فأغلبهم موظفين منذ سنوات في أماكن قريبة ولكن تستدعي ركوب هذا القطار في مأمورياتهم المختلفة , فأصبحوا جميعا يعرفون بعضهم البعض ولو بالشكل فقط . وبعد أن تفقد عم صابر القطار ووصل إلي أخر عربه أخذ أقرب مقعد وجلس وهو سارح .
اليوم هو يوم عرس يوئيل الابن الأكبر .. أخذ صابر يتذكر يوم ميلاده ويوم عماده .. عمده القس جورج عندما قسا شابا بالكنيسة الإنجيلية .. وقتها قال له صابر
- من يدري .. ربما تزوجه أنت أيضا يا قسيس .
وصدق صابر .. وها هو القس جورج سوف يزوجه .. يوئيل .. ذلك الولد الطيب المثابر الذي درس حتى حصل علي بكالوريوس في التجارة .. وها هو الان يعمل محاسب في هيئة السكك الحديدية - بمساعدة والده طبعا - . وأيضا الذي يملأ الكنيسة نشاطا وخدمة .. لقد طلع يوئيل يحب الرب منذ الصغر .. علمه صابر والكنيسة كيف يحب الرب .. حتى جاء الوقت الذي سلم نفسه بالكامل للرب وصار ابنا له وكان بعد فتي .. وها هو الان خادما أيضا له , وها قد وصل صابر إلي نهاية المسئولية تجاهه بزواجه من فتاة مؤمنة تحب الرب وتخدم معه في الكنيسة .
أخذ صابر يتذكر الأحداث ويبتسم .. يتذكر زوجته التي ضجرت عندما عرفت انه سيخرج في هذا الصباح وودعته علي الباب وهي تقول له
- لا تتأخر اليوم يا صابر
أخذ يبتسم .. كيف يتأخر واللحظات التي انتظرها طويلا سوف يراها في تمام الساعة السابعة.
واتسعت ابتسامته فكيف يصل مبكرا وهو مرتبط بقطار له مواعيد .
أخرجه عن حالة الصمت والتفكير هذه صديقه الكمساري وهو يربت علي كتفه
- عم صابر .. عم صابر .. إلي أين ذهبت ؟
أنتفض عم صابر
- من … أحمد
- نعم أحمد .. لماذا حضرت اليوم يا صابر .. آلا يمكن أن يحتاجوا لك في البيت ؟!
قال صابر
- في أي شئ ؟! الدعاوى وزعناها منذ زمن .. وأصدقاء يوئيل في الكنيسة يساعدونه ولا يتركونه يفعل شئ .. والطعام جاء .. والجيران ونساء الكنيسة يساعدون زوجتي في العمل .. كل شئ جاهز فلماذا لا احضر إلى عملي ؟ .. بالمناسبة .. لا تتأخر .. في تمام الساعة السابعة تكون في الكنيسة وبعدها نرجع معا إلى البيت .
أبتسم أحمد الكمساري
- معقولة أتأخر ؟ يوئيل هذا ابني .. ثم كيف أتأخر عن اللحم والحلوى والطعام الجميل .
ضحك الرجلان وقال الكمساري
- أقوم آلف لفة أخري غلي القطار .. ربما يكون أحد الركاب قد ركب القطار في الفترة الماضية .
- وأنا أيضا أقوم أتفقد تلك العربة
***
في العادة تكون العربة الأخيرة بها قلة من الركاب نظرا لبعدها عن رصيف المحطة .. فأخذ ينظر صابر إلي الركاب والي الرفوف . حتى لفت نظره كيس أسود غريب الشكل يقبع وحده منفردا علي رف من الرفوف .. وببساطة سأل
- لمن هذا الكيس ؟!
ولم يرد أحد
وبصوت جهوري لفت انتباه جميع الركاب إلي السؤال أعاد سؤاله مرة أخري
- قلت لمن هذا الكيس ؟
نظر الجميع إلي الكيس ولم يرد أحد
أصبحت النغمة التي يتكلم بها أكثر حدة وأكثر توترا
- آلا يوجد صاحب لهذا الكيس ؟!
كل من في العربة أخذ ينظر في قلق إلي الكيس كمن ينظر إلي شبح .. وفجأة صرخت سيدة عجوز
- ربما كان به قنبلة
كان الركاب كمن ينتظروا هذا التعليق ليفزع الجميع وينتفضوا من أماكنهم ويتحركوا جميعا بعيدا عن مكان الكيس ليقفوا بالقرب من باب القطار المفتوح وعيونهم تنظر إلي الكيس في رعب وفزع واضحين .
حاول صابر أن يبدوا متماسكا فقال يلوم السيدة التي أخافت الركاب
- لماذا تقولين هكذا .. ربما كيس عادي نسيه أحد
قالت سيدة أخري
- أجل .. تذكرت .. يوجد رجل شكله مريب يلبس جلبابا أبيض وملتح كان يحمل هذا الكيس ووضعه فوق هذا الرف ورحل .
وهنا أرتفع صوت شاب
- أنا لم أرحل .. إنني لا زلت موجودا والكيس الذي أحمله لم يكن أسود وهو لا يزال في يدي .
نظر إليه رجل وقال
- أنت يابن ال … تريد أن تفجر القطار ؟! .. اذهب خذ كيسك وارحل من هنا
قال الملتحي في رعب
- كلا ..لن أمسك بهذا الكيس .. أنا معكم في هذه العربة فكيف افجر عربة أنا فيها .
نظر الجميع إليه والغضب باد علي الوجوه وقد تأكدوا أن الكيس به شئ لانه يرفض أن يفتشه وحاولوا أن ينقضوا عليه ولكن صابر حال دون هذا الآمر بجسمه الضخم وكلامه الحازم .
- كفوا عنه يا جماعة .. إنه معنا في نفس الخطر .
…… كل هذا النقاش جعل الأمر أكثر توترا .
الجميع خائف .. بل مرعوب .. والقطار يسير متجها إلي ناحية أخر محطة - بني سويف - صرخت سيدة من الرعب .
- إنها قنبلة بالتأكيد .. الان أنا أسمع دقاتها .. ستنفجر الان
صرخ الجميع أكثر .. والرعب باد علي الوجوه أكثر .. أخذ صابر يتذكر فرح ابنه وعائلته التي تنتظر .. تذكر زوجته وهي توصيه
- لا تتأخر اليوم يا صابر
يبدو أنه لن يجد الوقت ليرجع
أعاده صوت الناس إلي الواقع .. إذ صرخ أحدهم
- أين الآمن ؟ آلا يوجد أمن هنا ؟
وكأنما تذكر صابر انه هو ممثل للأمن في هذه العربة وعليه أن يفعل شيئا .. تقدم إلي الأمام .. ومد يده إلي الكيس .. أوقفه صوت سيده تصرخ
- احترس .. سوف تنفجر
نظر إليها بغضب وقال
- أسكتي يا امرأة
ومن جديد مد يده المرتبكة يريد أن يمسك بالكيس .. ولم يعرف لماذا تذكر في هذا الوقت يسوع المصلوب لأجل الجميع فصرخ
- ليس العبد أفضل من سيده
وامسك بالكيس في قوة واتجه إلي اقرب نافذة يريد أن يرمي بالكيس بعيدا . فوجئ آن القطار قد دخل مدينة بني سويف .. واذا انفجرت القنبلة فبالتأكيد سوف تؤذي كثيرين .. احتضن الكيس بقوة .. كان كمن يرغب في أن يحتوي القنبلة داخله واتجه نحو الباب يريد أن يرمي نفسه بالكيس من القطار .. فإذا حدث انفجار يحتويه هو .
صورة ابنه وزفافه لا تفارقه .. وصورة زوجته وهي توصيه بان لا يتأخر لا تفارقه .. يحتضن الكيس في صدره يقترب من الباب وسط صرخات الركاب الفزعة .
يتحسس الكيس .. بداخله علبه .. هذا ليس ملمس قنبلة .. توقف
وبهدوء ادخل يده داخل الكيس .. فتح العلبة بهدوء .. وأدخل يده .. وأخرج يده وهي ممتلئة بالعسل الأسود .
***
تمازجت ضحكات الركاب مع بكاءهم .. وجلس الجميع بعد أن انتابتهم حالة من الهستيرية بين ضحك وبكاء .
كل هذا من أجل وهم
صوت في داخل عم صاب .. نعم .. ليس الابن أفضل من سيده .. ولكن رحمة سيده أوسع .. يقف القطار في محطة بني سويف . ينزل عم صابر المحطة وهو يحمل العسل مبتسما
- هذا رزق ابني يوئيل.
يتجه إلي شرطة المحطة ويعطي التمام للضابط المناوب ويعطي تقريره
- تمام يا حضرة الضابط .. كل شئ علي القطار تمام .
ويتجه سريعا إلي منزله ليلحق بفرح ابنه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:قصة قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























