يا لك من محظوظ

كتبهاemad hanna ، في 21 أبريل 2009 الساعة: 08:48 ص

يا لك من محظوظ!!!


-         أمي … أنظري؟

كانت هذه صرخة أبنتي جمانة المدوية وقد اتسعت عيناها منبهرة كعادتها عندما يسترعي انتباهها شيء يعجبها … كانت تشير بأصبعها الصغير في إتجاه قط صغير كان يلعب, نظرت أمها إلى القط ولكنها كانت مشغولة بتلك الأكياس التي خرجت بها من السوبر ماركت فقالت دون اهتمام

-         حسناً يا جمانه … أنه فعلاً قط جميل، ولكن هيا بنا ، علينا أن نرحل … يبدو أن هناك عاصفة تقترب … لنسرع,

ثم فتحت الباب الخلفي للسيارة وتركت عامل السوبر ماركت يضع الأشياء التي أشترتها بينما كان والد جمانه مشغولاً بقراءة الجريدة أمام عجلة القيادة… والذي ما أن شعر أن الباب الخلفي لسيارته قد فتح حتى عرف أن وقت الانتظار الطويل قد أنتهى وأنه عليه أن يستعد أخيراً لمغادرة المكان … فطوى جريدته وقال لزوجته

-         هل انتهيت؟

-         أجل

-         لعلك لم تنسي شيئاً

تجاهلت الزوجة نغمة السخرية الواضحة التي كانت تشوب تعليق زوجها وقال

-         لا أعتقد

نظر الزوج إلى الأكياس التي ملأت المقعد الخلفي  للسيارة وقال في نفسه "لم يتبقى إلا أن تشتري صاحب المحل نفسه" .

وحملت الزوجة طفلتها الصغيرة جمانة والتي كانت شاردة الذهن تماماً ووضعتها بجانب الأكياس وجلست هي بجانب زوجها  وما أن بدأ الرجل في إدارة محرك سيارته حتى صرخت جمانة من جديد

-         أبي أنتظر

نظر الوالد إلى أبنته وقال

-         ماذا تريدين يا جمانة؟

-         أريد هذا القط … أريده يكون لي.

نظر الرجل إلى حيث أشارت

-         أنه قط جميل يا جمانة … ولكنه ليس لنا … إنه ملك الرجل العجوز الذي يلعب معه

صرخت الطفلة بانفعال

-         ليس ملكه يا أبي … بل أنه يضايقه … أنا أريد هذا القط

أنفعل الرجل

-         هذا القط أجرب قذر وسيملأ البيت بالقاذورات ويمكن أن يصيبك بالأمراض … أنا لا أستطيع أن أحضر شيئاً كهذا إلى البيت.

نظرت الأم إلى القط … كان قطاً جميلاً طويل السعر جداً، وكان يعبث بقدم ذلك الرجل الفقير الذي لا يجد قوت يومه ويعتمد على إحسانات الناس الشبه منعدمة لمن يخرج من السوبر ماركت.

وأخيراً قالت الأم

-         أتعرف يا زوجي العزيز!! … هذا القط بالفعل جميل جداً

-         جميل!! أنه قذر.

-         نستطيع أن نأخذه للطبيب البيطري … نستطيع أن نعطيه حقنه وننظفه بالشامبو … أنه بقليل من العناية نستطيع أن نجعل منه قطاً رائع.

وعندما  رأت جمانة الصغيرة رأي والدتها شعرت بقرب تنفيذ طلبها فبدأت باستخدام أسلحتها الطفولية المعتادة والفعالة فصرخت باكية

-         أجل يا أمي … أني أريد هذا القط … أني أحبه وأريده … أنه متسخ لأنه بجوار ذلك الرجل القذر.

وبينما تعالت صرخات الصغيرة جمانة قالت الزوجة بلهجة العالم بالأمور

-         أتعلم يا ألبير ماذا يقول علم النفس؟

وما أن سمع الزوج المسكين هذه العبارة حتى عرف أنه سيستمع إلى محاضرة طويلة وغير مفهومة في علم النفس فقال مسرعاً

-         لا أريد أن أعرف.

تجاهلت العبارة واستمرت

-    يقول علم النفس أن الحيوانات الأليفة تخلق مشاعر المودة والرحمة والألفة لدي الطفل و تجعله يشعر باحتياجات الناس من حولهم … تجعل الطفل يحن على الفقير وتبعد عنه حالة التبلد وعدم الأحساس بالغير و …

-         كفى … هل تريدين يا جمانة هذا القط؟

توقفت الصغيرة عن الصراخ ومسحت دمعتان وهميتان على خديها وقالت بسرعة

-         أجل يا أبي

يخرج الأب بصورة عصبية من السيارة ويتجه إلى الرجل الذي جاوز الثمانين من عمره، ينظر اليه, وفي عصبية ظاهرة يسأل

-         هل هذا القط لك يا رجل؟

-         نعم يا ولدي … ماذا تريد؟

وبسرعة يمد يده وبعصبية ظاهرة يأخذ الهر … ويتجه إلي السيارة ويعطي القط لزوجته ويقول

-         سأقفل النوافذ حتى لا يهرب

ويدير سيارته ويترك المكان ويط صرخة الانتصار التي خرجت من فم جمانة السعيدة

***

ببطء شديد يتسند الرجل العجوز على الحائط … أنه لم يأكل منذ دهر … يقول في نفسه مبتسماً "كم أنت محظوظ يا صديقي القط" زاملتني شهراً من الزمان, كنت شريكي في لقمتي ومصدر تسليتي الوحيد  … آه … كم سأفتقدك"

يتحرك العجوز ببطء في اتجاه صندوق القمامة وهو  لايزال يتحدث مع نفسه "نحن الأثنان لم يكن لدينا من يعيلنا … ولكنك وجدت معيل لك سريعاُ … أما أنا … فلي زمن في هذا المكان … عرياناً … جوعاناً … وسخاً … ويبدوا أني سأظل إلى أن أذهب إلى مقري  الأخير"

وصل العجوز بخطواته البطيئة إلى صندوق القمامة ينظر اليه ويمد يده داخله ليتناول كسرة خبز متعفنة … ييبتسم ويقول لنفسه من جديد " لن تقاسمني هذه الكسرة أيها القط … سآكلها وحدي" يأكلها ويتمدد بجانب صندوق القمامة ينتظر الصباح وينظر إلى السماء 

-         يبدو أنها ستمطر هذا المساء … ليعاونني القدير على أحتمال هذه الليلة.

ويتذكر ذلك الهر الذي كان يلتصق به في هذا الجو ويقول

ترى … ماذا تأكل الآن وأنت أمام المدفأة أيها القط السعيد

عماد حنا

الأردن – عمان في يناير 2001

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “يا لك من محظوظ”

  1. ترى … ماذا تأكل الآن وأنت أمام المدفأة أيها القط السعيد !!!

    هي الحياة هكذا تسخر من البشر دوما !

    مدونتك جميلة مباركة عليك وعلينا

    دمت بحب وخير وحرية

    ماما وداد

  2. اشكرك كثيرا يا سيدتي على مداخلتك وتشجيعك

    لك كل التحية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر