الكاهن يثرون في الكتاب المقدس
بقلم عماد حنا
في بداية حديثه عن تاريخ العرب يقول جورجي زيدان[1] أنه ليس هناك أسقم من تاريخ العرب قبل الإسلام وقد علل ذلك أنهم أرادوا محو مفاخر الجاهلية واقامة مجد الإسلام مكانها فلم يذكر المؤرخين إلا ما تحويه من أخبار قوم خالفوا أنبياء الله فاستحقوا غضبه. وفي دراستنا لتاريخ العرب الكتابي [2] اكتشفنا أن الكتاب اليهود والمسيحيون سلكوا نفس الشيء مع رجال الكتاب المقدس, فأنكروا عليهم صفات إيجابية كثيرة ولم يصفوهم الا بكل ما هو سلبي, وعلى سبيل المثال إسماعيل ابن ابراهيم البكر, وكذلك أيوب النبي العربي وأيضا يثرون الكاهن موضوع هذا البحث.
فلماذا هذا الإنكار هل لإثبات أحقية إسرائيل في حمل المشعل للأمم وأحقية دعوتها بأنها شعب الله المختار ؟ إذا نظرنا للأمر بهذه الطريقة نكون قد نسبنا فضل لمن لا يستحق. فالله لم يختر إسرائيل لأنها تستحق, أو لأنها الوحيدة التي تعرف الرب الإله. ولكن الله اختار بنعمة كاملة ابراهيم الذي من أورالكلدانيين ودعاه لهذه المأمورية العظمى دون أن يكون هناك فضل لشخص في ذلك, وفي عصر ابراهيم كان هناك من يعرف الرب الإله غيره, وعلى سبيل المثال كان هناك ملكي صادق ( تك 14 : 18 ) وكان أيضا سام بن نوح لا يزال حيا. فعبادة الله كانت موجودة في هذا الوقت.
وعندما اختفت عائلة يعقوب في أرض مصر بضعة مئات من السنين لم يترك الله نفسه بلا شاهد,فبرز في هذا الوقت أيوب الذي كان كاهنا لله وكان نورا له بين الأمم حتى وسط الألم , وفي رأيي أن هناك كانت قبائل كاملة كانت تعبد اله ابراهيم مثل تيمان على سبيل المثال الذي كان أميرها أليفاز بن عيسو والذي تغني في سفر أيوب بعظمة الله وقدرته على الرغم من كونه أخطأ في بعض الحق, ولكن هذا الخطأ يؤكد عبادته لله لا ينفيها. ولا ننسى دور إسماعيل وقبائل الاسماعليين التي احتفظت بعضها بعبادة الآباء وعبدوا الله اله ابراهيم.
لتمر الأيام, وتقترب أيام خروج شعب إسرائيل لتمارس دورها الذي وضعه على عاتقها الله لتكون نورا له بين الأمم, وقبل هذا الخروج بسنوات كان هناك في أرض مديان كاهن أسمه يثرون.
المعنى اللغوي لاسم حمو موسى
لفظه حمو موسى أطلقت في الكتاب المقدس على ثلاث أسماء مختلفة :-
أولا: يثرون (خروج 18:1) ومعناه صاحب السعادة[3] ثانيا: رعوئيل (خروج2 :18) ومعناه صديق الله أو راعي الله ثالثا: حوباب (عدد 29:10) ومعناه محبوب.
ويقول جواد على[4] في تعليله لكثرة الأسماء
أنه يبدوا أن خطأ قد وقع في كتابة الاسم الثاني أو الأول , ولهذا صار رعوئيل في سفر الخروج وحوباب بن رعوئيل في سفر العدد ويرى بعض الباحثين أن كلمة يثرون ليست اسم علم له وإنما هي كناية عن وظيفته وهي الكهانة فقد اكن كاهنا في قومه والكاهن هو يثرو في بعض اللغات العربية الجنوبية, وأما اسمه فهو رعوئيل أو حوباب بن رعوئيل, ويبدوا أن يثرون له علاقة ببني القيني ويظهر أن بني القيني هو فرع من فروع مديان.
وبالطبع نحن نثق في عصمة الكتاب المقدس ونثق أنه لم يقع أي خطأ ولكن بدراستنا للعادات السائدة في ذلك الوقت نستطيع أن نفسر سر وجود ثلاث أسماء, ففي دائرة المعارف الكتابية [5]يعطي بعض الاقتراحات التي تعلل وجود أكثر من اسم نوجزها فيما يلي:-
(1)الأسماء الثلاثة - رعوئيل ويثرون وحوباب- هي أسماء لرجل واحد, وهو بتنافي مع ما جاء في سفر العدد (10: 29) من أن حوباب هو ابن رعوئيل. (2)كان رعوئيل حمو موسى, أما يثرون وحوباب فكانا صهرين له. (3)إما أن رعوئيل كان إسما آخر ليثرون, أو أن حوباب كان اسما آخر ليثرون.(4)كان رعوئيل أبا لحوباب ويثرون, وأن يثرون كان حما موسى, وأن كلمة أبيهن في الإصحاح الثاني من سفر الخروج 2 :8 تعني جدهن. وترجح دائرة المعارف الرأي الأخير.
ولكن كاتب البحث يرى أنه إذا كان يثرون ( صاحب السعادة) هو مجرد لقب وهو سائد في بعض اللغات القديمة فيكون هذا هو لقب حمو موسى وليس أسمه الفعلي, أما رعوئيل فهو اسم حمو موسى الذي هو كاهن مديان . وهذا الرجل تقابل مع موسى في خروج 18 وصرفه موسى بعد انتهاء الزيارة, أما حوباب فهو صهره. ونلاحظ أن الكتاب لم يصف حوباب بن رعوئيل بأنه كاهن مديان , بل وصفه موسى بأنه أحد خبراء الصحراء -دليل- ويستطيع أن يكون عينا للشعب, وبهذه المواصفات هو شخصية أخري غير تلك الشخصية التي تكلم معها موسى في خروج 18, فالشخصية الأولى هي شخصية كاهن , حكيم, مقدم ذبائح لله ومعلم لشعب إسرائيل عن كيفية تقديم الذبيحة , وهو ناصح لموسى. آما الشخصية الثانية فهي شخصية خبير بالصحراء وعين من العيون.
الشخصية الأولى رجعت إلي أرضها والشخصية الثانية بقيت مع موسى( قضاه 11,17:4) وبالتالي تكون النتيجة أن يثرون هو لقب كهنوتي للكاهن رعوئيل حمو موسى, وحوباب هو صهر موسى الذي كان من عادة تلك الأيام أن يلقب أيضا بحمو موسى.
يثرون بين المديانيون والقينيون
يصف الكتاب المقدس يثرون بأنه كاهن مديان ( خروج1:18) كما أنه يوصف بأنه نم بني القيني (قضاة16:1) وكونه من مديان فهذا يوقعنا في بعض التساؤلات في علاقة شعب إسرائيل بالمديانيين, فيحدثنا سفر العدد عن حالة عداء واضحة بين ملوك مديان وإسرائيل انتهت بحرب كبيرة مات فيها الكثير من ملوك مديان فكيف نفسر ذلك العداء رغم وجود النسب بين يثرون كاهن مديان وبين موسى. كما كيف نفسر انتماء يثرون للقينين بينما هو كاهن مديان؟
أولا : المديانيون
مديان كلمة سامية [6] ومعناها نزاع أو خصام, وهو اسم الابن الرابع لإبراهيم من زوجته قطوره(تكوين 2:25) وهو ضمن الأبناء الذين صرفهم ابراهيم مع سرارية في حياته حتى لا يرث مع أسحق ابنه ويقول أنه صرفهم إلي أرض المشرق. فمديان هو أحد المتعربين والمتبدين في المشرق [7] ويقول طوني معلوف أن في سفر القضاة يجمع الكاتب بني المشرق بين مديان وعماليق.
موقع أقامتهم
في تكوين 35:36 " ملك أدوم كسر مديان في بلاد موآب"
تكوين 25:37 حصل تزاوج كبير بين الاسماعيليين والمديانيين وعملوا كطبيعة العرب في التجارة وكانوا متجهين من البادية إلي مصر.
خروج 2:3 أرض مديان ملاصقة لأرض مصر من جهة الشرق
في تكوين 6:25 يصفها الكتاب أنها أرض المشرق, وهو مكان عام قد يكون شرق نهر الفرات وقد يكون جنوبا في شبة الجزيرة العربية [8]
يوسيفوس[9] ذكر أنها تقع على ساحل البحر الأحمر أي خليج العقبة.
في قضاة 4:6 يذكر أنهم في غزة ووادي يزرعيل في غرب الأردن
الاستنتاج ( هل يمكن أن نحدد موقع ثابت لهم)
من الواضح أنهم شعب كثير ويمكن أن يكونوا اتحاد قبائل مختلفة تحت مسمي مديان , وهذا واضح أن في عهد موسى كسر خمسة ملوك من ملوكهم فليس لهم ملك واحد ولكن لكل موقع ملك , وربما أن عملهم في التجارة مع الاسماعيليين جعلهم كثيري التنقل كعادة البدو بصفة عامة لذلك تحديد موقع ثابت لهم من الصعب لأنهم هم أنفسهم لم يثبتوا في موقع.
علاقة يثرون بهم
من الصعب استنتاج هذه العلاقة والكتاب لم يوضح علاقته بهم بصورة واضحة, فعلى الرغم من أن يثرون هو كاهن لمديان إلا أن بالاق لم يلجأ إليه بل لجأ إلى بلعام , ربما لأنه يعرف صلة النسب بين موسى ويثرون, ولكن صلة النسب هذه لم تجد المبرر لكي يسكت المديانيين عن إسرائيل ولكن نجد هنا العداء واضحا. وبالمقابل نجد في سفر العدد الأمر الإلهي " ضايقوا المديانيين واضربوهم " فحارب بنوا إسرائيل المديانيين وهزموهم وقتلوا ملوك مديان الخمسة كما قتلوا بلعام بن بعور بالسيف (عدد 31 : 1-12) وهنا يجدر
المزيد